الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تفكيك الفكر المتطرف .. الأسباب والمنطلقات .. الخلل في تناول المفاهيم .. التحاكم إلى القوانين الوضعية

تاريخ الإضافة : 18/02/2018
تفكيك الفكر المتطرف .. الأسباب والمنطلقات .. الخلل في تناول المفاهيم .. التحاكم إلى القوانين الوضعية

لا يَكُف أهلُ التطرف وأصحابُ الفكر المتشدد عن تجديد وتحديث أفكار الخوارج القديمة في العصر الحاضر تحت اصطلاحات مبتكرة لم تعرف في الزمن الأول من أجل استقطاب الأتباع وتبرير أفكارهم ومرتكزاتهم الحركية المعتمدة بشكل أساسي على مظاهر الكراهية والإقصاء لغيرهم والتي مثَّلت الجذور الرئيسية لمقولات التكفير المشهرة كسلاح مدمِّر في وجه الأمة.

لقد كشفنا في عدة مقالات سابقة عن مدى اختلال الفهم عند هؤلاء في تناول بعض المفاهيم والموضوعات التي جمعها هؤلاء تحت مسمى "نواقض الإسلام" أو "نواقض الإيمان"؛ لتكون كالمتون يسهل تداولها وحفظها على الأتباع، ولتتخذ أيضًا موازين يقيسون عليها غيرهم، ويُعَدُّ "التحاكم إلى القوانين الوضعية" من أقوى بنود المسمى السابق الذي ينطلقون منه في صبغ أفكارهم المنحرفة وأعمالهم الخبيثة بالمشروعية الدينية.

والتحاكم لغةً كالتحكيم ومعناه: تفويض الحكم إلى شخص أو إلى المختص. وفي الاصطلاح: تفويض المتخاصمين الحكم فيما يتنازعان فيه إلى واحد يرتضيانه لفصل خصومتهما ودعواهما، أما القانون فكلمة غير عربية الأصل، ويُراد بها في اصطلاح السياسيين والقضاة ورجال الدولة: مجموعة القواعد التي تضبط نظام المجتمع بحيث يتعين على كل فردٍ الخضوع لها طواعيةً أو قهرًا، ونعت القانون بـ"الوضعي"، يعني أنه من وضع البشر وصناعتهم.

ولعل ذلك يظهر لنا المدخل الذي ينطلق منه أهل التشدد والتطرف في تأييد مقولاتهم بـ"ضلال الأمة" وكفر نخبته حكامًا وعلماء ومفكرين، وإطلاق أوصاف: "الجاهلية"، و"غربة الدين وانعزاله عن المجتمعات المسلمة"، بل غَلَوْا في ذلك إفراطًا كبيرًا فزعموا أن "القوانين الوضعية ما أسست إلا مضاهاةً لحكم الله تعالى وترسيخًا للأحكام المناقضة له"، ثم بَنَوْا على ذلك أحكامًا خطيرةً تهدد استقرار المجتمع.

ومصاحبةً لهذه المزاعم المتضمنة أحكامًا عامةً لا يدخر هؤلاء وسعًا في لَمْزِ علماء الأمة ومؤسساتها، حيث اصطنع خيالهم الفاسد تهمةً لتبرير غلوهم وانحرافهم تحت مسمى "إضفاء صبغة الشرعيَّة لهذه المؤسسات وقوانينها"، بحجة أنهم يشيرون في جهودهم العلمية والدعوية المختلفة في تبصير الناس بأمور دينهم ودنياهم إلى المواد القانونية فضلًا عن تقرير وجوب لجوء أفراد الأمة إليها والتزام ما يصدر عنها، والتي يدعى هؤلاء "أن واقعها جزءٌ من إطارٍ خارجٍ على شرع الله، وأن ذلك يعطيها قدرًا من المصداقية لدى عوامّ الأمة!".

والحقُّ أن الأمة استفادت في تجربتها المعاصرة بما توجهت إليه النظم الحديثة في صياغة نظامها التشريعي والمدني، ولم تطبق قوانين تلك النظم بذاتها ولم تقلدها تقليدًا محضًا وإن حصل نوعٌ من اقتباس للمسائل والصياغات منها وفق بيان مأخذ كل مادةٍ منها من الشرع الشريف.

وهذا موقفٌ حكيمٌ علميًّا وعمليًّا؛ لمراعاته الواقع وانطلاقة متكاملة للأمة في المشاركة في ركب الحضارة، مع موازنة منضبطة بين "الثابت والمتغير"، وهو مصطلحٌ يقصد به إجمالًا التفريق بين مواضع الإجماع والنصوص القاطعة التي لا تحل المنازعة فيها، وبين موارد الاجتهاد التي لا يضيق فيها على المخالف لظنية مداركها ثبوتًا أو دلالةً؛ استنادًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أحلّ اللهُ في كتابه فهو حلالٌ، وما حرَّم فهو حرامٌ، وما سكت عنه فهو عفوٌ؛ فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئًا»، ثم تلا هذه الآية: «﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]».

ويظهر من ذلك الفارق الدقيق بين العلماء الفاهمين لدينهم المتبصرين بواقع أمتهم على الحقيقة، وبين أهل التطرف الذين لا يتعاملون إلا مع الأوهام ومن خلال المناهج المقلوبة والمفاهيم المختلة والثقافة المغلوطة والشعارات البراقة التي تحمل ظلالًا مشككةً ومربكةً، ولا مبرر لها، وبعد هذا البيان؛ هل يكون تنظيم الحياة وتطور نظم الأمة لضمان استمرارها في ركب الحضارة تحاكمًا إلى الطاغوت وإعراضًا عن هدي الكتاب وطريق السنة وخطة الإسلام؟!! ولأهمية هذه القضية سنفرد سلسلةَ مقالاتٍ لبيان جملةٍ من الموضوعات المتعلقة بها.

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 30 جمادى الأولى 1439هـ الموافق 16 فبراير 2018م السنة 142 العدد 47919

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/637834.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام