الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تطبيق الشريعة الإسلامية.. مبادئ الشريعة الإسلامية

تاريخ الإضافة : 11/03/2018
تطبيق الشريعة الإسلامية.. مبادئ الشريعة الإسلامية

أنعم الله تعالى على الإنسان بشريعة الإسلام القائمة على قواعد راسخةٍ ومبادئ جامعةٍ تضمن مراعاتُها تحصيلَ مصالحه، وتحفظ عليه الاستقرار والأمن والإصلاح والعمران، وتدرأ عنه الشر والفساد، وتجنبه آثار الخراب؛ لِمَا تمثِّله هذه السمات من كونها عنوانًا لرضا الله تعالى، ومن ثَمَّ استحق هذا الإنسانُ جزاءً حسنًا معجَّلًا في الدنيا وبشارةً بثوابٍ آجلٍ في الآخرة؛ حيث قال سبحانه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16].

والمبادئ جمع مبدأ، ومعناه في اللغة: أول الشيء وأساسه ومادته التي يتكون منها، ولم يخرج معناه الاصطلاحي عن هذه المعاني اللغوية؛ حيث يقال: مبادئ الدستور أو العلم: أي قواعده الأساسية التي ينبني عليها.

وقد اختلفوا في المراد بـ"مبادئ الشريعة" في المجال الدستوري والتشريعي؛ نظرًا لحداثة اصطلاحه واختلاف مدخل التناول وفق المناهج المتنوعة؛ فمنهم من جعله مرادفًا لمصطلح "مقاصد الشريعة"، وفسره آخرون بـ"الكليات العامة" كالعدالة والتيسير.. إلخ، كما فسرها بعضهم بأنها "الأدلة الكلية والقواعد الأصولية والفقهية والمصادر المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة"، وحصرها الأكثرية في الأحكام الشرعيَّة القطعية دلالةً وثبوتًا.

وبصرف النظر عن مناقشة هذه التعريفات في تناول هذا المصطلح من حيث كونها جامعة مانعة؛ فإننا نرى أنها تجتمع على أمرين: أولهما: ضرورة الالتزام بثوابت الشريعة الإسلاميَّة وقواطعها ومقاصدها وقِيَمها. وثانيهما: عدم الجمود على مذهب واحد في التشريع ما دام أن غيره صار ملائمًا للواقع، ومن ثَمَّ تتسع دائرة الاختيار الشرعي من الاقتصار على مذهبٍ واحدٍ أو على المذاهب الفقهية الأربعة إلى استثمار مذاهب المجتهدين العظام كالأوزاعي والطبري والليث بن سعد.. وغيرهم في أكثر من ثمانين مجتهدًا في التاريخ الإسلامي، أو إلى الاستنباط المنضبط للأحكام من النصوص الشرعية من الكتاب والسنة مباشرةً، مراعاة لحاجة الناس ومقتضيات العصر، بما يجعل في الأمر سعة ومرونة ورحمة بالناس.

وعلى هذا الوصف قد جرى التشريع عمليًّا في بلادِ ومجتمعاتِ أهل الإسلام عبر العصور، ثم حصل التنصيص على ذلك في التجارب المعاصرة، والتي حازت مصر السبق فيها؛ حيث نصت الدساتير المتعاقبة على أن: "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع".

ومن ثَمَّ ترتب على ذلك قيد وجب مراعاته وعدم مخالفته في التشريعات الصادرة عن كلٍّ من السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو عدم الخروج على المبادئ الكلية التي تمثل الشريعة الإسلاميَّة وأصولها الثابتة والتي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا، في حين تقبل الاجتهاد في التشريعات المبنية على النظر في الأمور الظنية غير المقطوع بها سواء من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة أو من جهتهما معًا ما دام ذلك كائنًا في إطار الأصول الكلية والمقاصد العامة للتشريع.

وهذه تجربةٌ فريدةٌ من المجتمع المصري حافَظَ من خلالها على هويته الدينية والحضارية في التزام القطعي وعدم الخروج عليه ما أمكن، واستثمار الظني والانطلاق منه نحو الأخذ بمقتضيات العصر وما انتهى إليه التطور في العالم البشري من أجل مشاركةٍ إيجابيةٍ لهذا المجتمع في ركب العالم ومسيرة التاريخ.

ورغم ذلك فقد تم تناول هذه التجربة من قِبل أهل التطرف تناولًا انتقائيًّا أثمر خلافًا حادًّا بين الأجيال، وذلك بإشاعة وصفها بأنها "شريعة وضعيَّة تضاهي شرع الله تعالى"، وأنها "مرتدة تحارب الدين والمتدينين"، ذلك لأنها لم تلق آراؤهم الناتجة عن مرجعيتهم الموازية بالًا، وعلى طرفٍ آخر نرى من يصفها بأنها "اشتراكية" أو "ليبرالية محضة" أو "إسلامية متطرفة!".

وبذلك يظهر أن النص على الأخذ بمبادئ الشريعة في التشريع على النحو الذي تعاقبت عليه الدساتير المصرية إنما هو تتويجٌ للواقع المصري في شأن تطبيق الشريعة وضمانةٌ كبيرة في سير تطبيقها سيرًا منضبطًا يقضي على مظاهر التناقض التشريعي، فصارت هذه التجربة الراقية كاشفةً عن زيف شعارات أهل التطرف وبطلان مناهجهم.

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 21 جمادى الآخرة 1439هـ الموافق 9 مارس 2018م السنة 142 العدد 47940

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/641089.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام