الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تطبيق الشريعة الإسلامية.. كيفية تفعيل أحكام الشريعة في الواقع والقوانين

تاريخ الإضافة : 15/04/2018
تطبيق الشريعة الإسلامية.. كيفية تفعيل أحكام الشريعة في الواقع والقوانين

خاض المسلمون عدة تجارب في إحداث بعث كبير في حياتهم من أجل المحافظة على هويتهم الدينية والحضارية مزامنة مع مشاركة إيجابية في التطوُّر ذي الإيقاع المتسارع الذي تشهده الحياة الإنسانية عبر كافة مجالاتها خلال القرنين الأخيرين، ومواكبة لهذا التحول الكبير في الواقع على خلاف الحاصل في الأزمنة السالفة؛ سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، أو على مستوى النظام العام سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

وهي تجارب جادَّةٌ تم تناولها تناولًا انتقائيًّا أثمر خلافًا حادًّا بين الأجيال، فضلًا عن وجود قصور كبير في تناول كيفية تطبيق الأحكام الشرعيَّة في واقع الناس والعصر لدى طرفين من الناس: فطرفٌ هَالَهُ ذلك التغير الشديد في الواقع وعوالمه المختلفة مع عدم إلمامٍ كافٍ بمناهج الاجتهاد الشرعي وكيفية تنزيل الأحكام الشرعية والمقاصد الشرعية على المستجدات والمسائل؛ مما جعل أصحابه يقصرون هذه الأحكام على زمن نزول الوحي وأحواله فقط، فأصبح الواقع مُتحررًا من هدي الإسلام، حيث أصبحت نصوصه -في ظنهم- تاريخية منسوخة بمرور الزمن. في حين جَمُد الطرف الآخر على المسائل والأحكام دون إدراك مناسبتها وأحوالها مع عدم مراعاة الواقع، فعاش أصحابه في زمن غير زمانهم.

وفي مقابل هذا نجد منهاجًا حكيمًا رسَّخه النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق الشرع الشريف، ثم سار في ضوء هذا الهدي الخلفاء الراشدون ومن بعدهم أئمة الإسلام المجتهدون عبر العصور من أجل تحقيق هذه الرسالة السامية وتحويلها إلى واقع في كافة مجالات الحياة مع الاستفادة من خبرات غيرهم وميراثهم الديني والحضاري حتى استقام الناس على هدًى من ربهم.

وقد جرت الأمة في ضبط حركة الحياة بالأحكام الشرعيَّة عبر تاريخها في تناسق حكيم؛ وذلك لأنهم فهموا ماهية "الشرع الشريف" فهمًا صحيحًا على وفق مراد الله تعالى ومراد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي تُعَدُّ المرونة من أهم خصائصه؛ وهي تقضي على المسلم بضرورة الانطلاق من القواعد الشرعيَّة الكلية والاهتمام بترسيخ القيم والمبادئ العامة الثابتة، مع توجيه العلماء وأهل الاجتهاد والنظر لبحث المسائل والحوادث الجزئية في إطار هذه القواعد والمبادئ، مع التأكيد على ضرورة منح العقل البشري مساحة نحو الإفادة من التطوُّر المستمر الدائب في التجارب الإنسانية وفق الأولويات والمقاصد.

ويقرر هذه المعاني بوضوحٍ تراثُ الأمة المنقول والمتداول عملًا وواقعًا بين الأجيال المتعاقبة، مما يرشدنا إلى أن تفعيل الأحكام الشرعيَّة لا يقتصر على النية والأماني فحسب، بل يحتاج إلى عمل مستمر تُراعَى فيه جملةٌ من القواعد، ومن قَبله تهيئة المجتهد وتوفر ملكاته ومؤهلاته حتى تأخذ الوقائع والمستجدات المعينة ما يلائمها من الأحكامِ الشرعيَّة، ومن ثَمَّ تتحول هذه الأحكام من كونها كلية مجردة إلى واقع تطبيقي يعيشه الناس في يسر وسهولة، فتنصلح نفوسهم وتكمُل أخلاقهم.

وجريًا على هذه المناهج الحكيمة أصبح من مقررات الاجتهاد المعاصر -الذي يغلب عليه المؤسسية والصورة الجماعية، وخاصة عند تشريع القوانين- عدم الجمود على مذهب واحد في التشريع ما دام المسألة ليست من قواطع الإسلام، ومن ثَمَّ تتسع دائرة الاختيار الفقهي من الاقتصار على مذهب واحد أو على المذاهب الفقهية الأربعة إلى استثمار مذاهب المجتهدين العظام؛ كالليث بن سعد والأوزاعي والطبري وغيرهم في أكثر من ثمانين مجتهدًا في التاريخ الإسلامي، أو إلى استنباط الأحكام من النصوص الشرعية بالكتاب والسنة مباشرة.

وبذلك تتجلى مظاهر وسمات مناهج أهل العلم والفهم في تحقيق الصلة بين الواقع ومقتضيات حياة الفرد والمجتمع وبين الاهتداء بالشرع الشريف وجريان جزئيات وكليات حياة الفرد وشئون المجتمع وفق ضوابطه ومقاصده، فضلًا عن ضبط الصلة المباشرة بين العبد وخالقه تعالى، مما يسهم مساهمة جادة في المحافظة على الهوية واستقرار المجتمع والنهوض بالأمة نحو التقدم والحضارة.

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 26 رجب 1439هـ الموافق 13 أبريل 2018م السنة 142 العدد 47975

 http://www.ahram.org.eg/NewsQ/646443.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام