الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تطبيق الشريعة الإسلامية.. مرحلة تنزيل الأحكام

تاريخ الإضافة : 22/04/2018
تطبيق الشريعة الإسلامية.. مرحلة تنزيل الأحكام

هناك رباطٌ وثيقٌ بين النصوص الشرعيَّة وبين الواقع وجريان جزئيات وكليات حياة الفرد وشئون المجتمع وفق هدى هذه النصوص المقدسة؛ حيث جاءت تلك النصوص كخطابٍ عامٍّ لكل عاقلٍ بالغٍ بصرف النظر عن مقدرته على أداء ما تضمنه هذا الخطاب من أحكامٍ كليةٍ تعرف بـ"الخطاب التكليفي"، ثم أرشدت تلك النصوص بأنه ينبغي أن يصاحب ذلك جملةٌ من الأوصاف تُعرف بـ"بالخطاب الوضعي" حتى يتم انتقال الأحكام المقررة في الخطاب الأول -التكليفي- من حالتها المجردة إلى التطبيق والممارسة على أرض الواقع.

ومثال ذلك: صوم رمضان، فإن الله تعالى قد خاطب كلَّ بالغٍ عاقلٍ ذي أهليةٍ من المسلمين على سبيل الوجوب واللزوم بأدائه، وهذا حكمٌ تكليفيّ، ثم بيَّن سبحانه جملةً من الشروط والأسباب الخاصة التي ينبغي مراعاتها عند القيام بالصوم؛ كجعل رؤية هلال رمضان علامةً على وجوبه، كما جعل توافر قدرة المكلف البدنية على الصيام بلا مشقة، ووقوع هذه العبادة في نهار أيام الشهر التاسع من شهور التقويم الهجري -وهو شهر رمضان المعظّم- من شروط صحة وقبول هذه العبادة الجليلة.

وبذلك فتُعَدُّ مراعاةُ العلاقة القوية التكاملية بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي في جميع الأحكام الشرعية أمرًا جوهريًّا في فهم مسألة "تطبيق الشريعة" فهمًا صحيحًا كما يريد الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي جرى عليه عمل علماء الأمة الراسخين، وهذه سمةٌ مميزةٌ تميزوا بها عبر القرون على أهل التطرف والتشدد بمناهجهم الموازية، الذين جمدوا على حفظ الأحكام الشرعيَّة وترديدها فحسب، فعاشوا في زمانٍ غير زمانهم.

إنه لا يمكن تطبيق النصوص الشرعيَّة وما تضمنته من أحكامٍ تطبيقًا صحيحًا بغير الربط بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي؛ لأنه عند مراعاة ذلك نجد أن هناك عددًا من الأحكام الكلية الواردة في النصوص الشرعيَّة التي لا نستطيع تنزيل أوصافها المقررة فيها على أرض الواقع؛ نظرًا لعدم وجود محلها وذهابه وليس لعدم صلاحية هذه الأحكام لكل زمانٍ ومكان؛ كمصرف ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ الوارد في آية مصارف الزكاة مثلًا.

كما لوحظ أنه قد يترتب على تطبيق الحكم التكليفي على مسألةٍ بعينها وجود مفاسد أكبر من تركه نظرًا لاختلاف واقع هذه المسألة عن أسباب وأوصاف ذلك الحكم المجرد بوجهٍ أو بأكثر، وذلك بعدم مراعاة أحوال المكلف من الضرورة والحاجة التي تنزل منزلتها في إباحة المحظورات، وكحال الشبهة في درء الحدود، أو بعدم مراعاة الأعراف والعادات خاصةً في الأحكام المبنية عليها.

كما يتحقق ذلك بعدم مراعاة طبيعة المكان والبيئة وتأثرها بالعوامل المحيطة مما يؤثر في حياة الناس وأعرافهم وعاداتهم وتعاملهم، فالبلوغ يختلف عادةً في البلاد الحارة عن البلاد الباردة، أو الاختلافات في طول النهار وقصره فتختلف أوقات الصلاة والصوم مثلًا.

وهناك حيثيةٌ أخرى متعلقةٌ باختلاف المكان بين كونه مما يحتكم فيه إلى الشريعة الإسلامية، وبين مكانٍ آخر تظهر أحكام غير الإسلام وتنفذ فيه، ومن ثَمَّ يساعد ذلك على استكشاف الفوارق بين الأحكام الشرعية المستقرة والأحكام الشرعية الاستثنائية، والتي من خلالها تساعد المسلم الذي يعيش بين المجتمعات غير الإسلامية أن يندمج معها ويتفاعل مع قضاياها وتطلعاتها من غير صدامٍ ولا نزاعٍ مفتعلٍ ولا ذوبان هويته.

وهذه المعاني تُظهِرُ أننا أمام إطارٍ متكاملٍ منضبطٍ في مسألة تطبيق أحكام الشريعة يقضي بضرورة الربط بين الحكم التكليفي وبين الحكم الوضعي عند تطبيق أيِّ مسألةٍ على أرض الواقع؛ سواء في جانب العبادات التي ينفرد المكلف بأدائها دون حاجةٍ إلى قوانين وإجراءات تقهره على ذلك، أو في الجوانب الأخرى المتنوعة التي تخاطب بها الأفراد والمؤسسات كل بحسب وضعه وظروفه، حتى لا يترتب على تطبيق الأحكام الشرعيَّة على الوقائع والأشخاص خللٌ كبيرٌ قد يرجع على مقاصد الشرع الشريف بالبطلان.

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 4 شعبان 1439هـ الموافق 20 أبريل 2018م السنة 142 العدد 47982

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/647502.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام