الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الحج وبناء شخصية المسلم

تاريخ الإضافة : 02/09/2018
الحج وبناء شخصية المسلم

تمثِّل شعيرة الحج إلى بيت الله الحرام موردًا ثمينًا لاستلهام الدروس الكبرى، التي تكشف للمسلم ما ينبغي أن يتحلى به في تكوين شخصيته وتقويمها، وتوطين نفسه على تحقيق العدل والسير بإيجابية نحو التقدم والحضارة؛ حتى يحصل له الصلاح في أمره كله في الدنيا والآخرة.

كما يُعدُّ الحج - هذا المنسك العظيم - منسكًا يبث في نفس المسلم وشخصيته دروسًا جليلة؛ وذلك من خلال التحلي بالتزام أوامر الشرع الشريف، واجتناب نواهيه، والتخلي عن الشهوات وعما يشغله من مظاهر الدنيا. وهنا يتعلم المسلم كيفية الفرار إلى ربه لا منه؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ [الذاريات: 50].

فالحجاج يُطْلَب منهم في موقف الحج ومناسكه الالتزامُ بالفضيلة على مدى أيامه المباركة، بالتزامن مع الامتناع عن ارتكاب محظورات الإحرام، وهذا يقضي بهجرة الذنوب والمعاصي واجتناب المفاسد القولية منها والفعلية، والابتعاد عن الأحقاد والنزاعات وما يسببهما.

بل تحثُّه على مقابلة الإساءة بالحسنى والتحلي بمكارم الأخلاق، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ [البقرة: 197]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَـمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّه». رواه البخاري.

كما تؤسس شعيرة الحج في نفس المؤمن أصولَ السلام وسبل الأمن والأمان وخصال الحياة السعيدة، التي من قوامها العدل والرخاء، ومن آثارها العمران والحضارة وما ينفع الناس، فالحاج مطالبٌ بأن يتعامل ويعيش في حرم مكة المكرمة في سلام تام وأمان كامل، فلا يحل له التعدي على غيره من خلق الله تعالى؛ سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا أو جمادًا؛ امتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة المكرمة: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَـمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا». متفق عليه.

أما على مستوى الأوطان والأمة فيستفاد من شعيرة الحج ضرورة المحافظة على وحدة المسلمين، والتضامن مع الوطن والأمة في سائر الشئون؛ فضلًا عن الالتزام بمبدأ المساواة، وتعميق معاني الأخوة الإسلامية والإنسانية، والتنفير عن تقسيم الناس إلى طبقاتٍ يعلو بعضها فوق بعض؛ ففي أثناء أداء مناسك هذه العبادة الجليلة تُصهَر كل مظاهر الفُرْقَة والتمييز بينهم؛ فكلهم جميعًا من أصل واحد، أبوهم آدم عليه السلام؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى. أَبَلَّغْتُ؟» قالوا: بَلَّغَ رسولُ الله. مسند الإمام أحمد.

ولعل في ذلك كشفًا عن الحكمة البالغة من وراء تخصيص النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لهذا الموقف الجليل لإعلان ميثاقٍ غليظٍ؛ يتضمن بيان حقوق المرأة بصورة جامعة، مع وصية للرجال بحُسْن عِشْرتها وطيب معاملتها.

وتؤكد جملة هذه الدروس أن يتخذ المسلم من شعيرة الحج المباركة دروسًا مفيدة تنعكس على شخصيته وحياته؛ فيستبدل بالتدين الشكلي التدين الحقيقي الذي من سماته: تنفيذ أوامر الشرع على مراد الشارع، والحرص على مرضاة رب الناس لا إرضاء الناس، مع قوة اليقين ورسوخ الإيمان، والمداومة على تزكية النفس وضبط رغباتها وشهواتها، وإعلاء شأن الأخلاق والقيم مع نفع الناس؛ لأن ذلك كما هو مطلوب في مناسك الحج والأشهر الحرم مطلوب أيضًا في غيره من الشهور وعلى مر الأوقات عبر العُمُر، حتى يتحقق المقصد الأعلى بتقوى الله تعالى ومراقبته وهَجْر ما نهى الله عنه.

************

جريدة الأهرام عدد الجمعة 20 ذي الحجة 1439هـ الموافق 31 أغسطس 2018م السنة 143 العدد 48115.

الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/668713.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام