الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

أمانة الكلمة

تاريخ الإضافة : 22/06/2015
أمانة الكلمة

من أعجب ما يمكن أن يلحظه العقلاء هو استخدام الإنسان لنعم الله التي أنعم بها عليه في معصيته عز وجل، وتحويل تلك النعم إلى أسلحةٍ يبارزُ اللهَ جل وعلا بها صباحًا ومساءً، بل إن العجب ليتملك الإنسان حين يجد البعض يحَوِّلُون تلك النعم إلى مصدرٍ من مصادر الشقاء، بعد أن كانت من المفترض أن تكون مصدرَ سعادةٍ لهم وللآخرين.

وإن من أَجَلِّ نعم الله على عباده نعمةَ اللسان، تلك النعمةُ التي ميَّزَتِ الإنسان عن غيره من المخلوقات؛ قال تعالى ممتنًّا على الإنسان بتلك النعمة: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ۞ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: 98]، فيكاد يكون هو الوحيد القادر على التعبير لغة تبرز احتياجاته، وتنقل أحاسيسه ومشاعره، وتكون وسيلةً فعَّالةً لتواصلٍ حميم بين أفراد الجنس البشري.

لكن -وا أسفاه!- تحولت النعمة إلى نقمة، وأضحى اللسان مصدرًا من مصادر الشقاء لبعض أصحابه، وجالبًا للتعاسة للآخرين؛ بسبب عدم قدرتهم على إمساكه.

وخطورة اللسان تأتى من كونه مصدرَ الكلام، والكلام هو أساس كلِّ خيرٍ أو شرٍّ على وجه الأرض؛ ولذا فإن الكلمة في الإسلام لها خطورتها التي أَوْلاها عنايةً خاصةً؛ ذلك لأن الإنسان يدخل الإسلام بكلمة، وبكلمة يخرج منه، بكلمة تُستَحلُّ الفروج، وبكلمة تُحَرَّم، بكلمة تسعد أمة، وبكلمة تشقى دُول، بكلمة تُراق الدماء، وبكلمة تُحفظ وتُصان.

ولا تجد شريعةً من الشرائع قد أَوْلَتِ الكلمة هذه الأهمية والخطورة قدر ما أولتها شريعة الإسلام، حتى إنها جعلتها مناطَ تحريمٍ وتحليلٍ؛ ولذا كان التحذير منها ومن خطورتها من أعظم ما ورد فيه تحذير في القرآن العظيم؛ قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

ويحذر صلوات ربى وسلامه عليه من آفة نقل الأخبار بأيِّ وسيلةٍ من الوسائل فيقول: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»، بل يؤكد على الوعيد الشديد لأولئك الذين تَلُوكُ ألسنتُهم شائعاتٍ، دون تثبتٍ منها ومن مصادرها، فيقول صلوات ربى وسلامه عليه: «من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال». قيل وما ردغة الخبال يا رسول الله؟ قال: «عصارة أهل النار».

إن أنواعًا كثيرةً من المعاصي منشؤها اللسان، وخطورتها تكمن في أنها كلامٌ يحاسب الإنسان عليه حسابًا شديدًا، وللأسف يقع المسلم في هذا الشهر الفضيل في كثيرٍ منها، ولا يشعر بأن صيامَه يذهب سُدًى.

أليست الغيبة معصية لسانية منشؤها الكلام؟ والله حذَّر منها قائلًا: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]، إنه تشبيهٌ يشيب له الوليد.

ثم أليس المِراءُ والجدالُ والخصومةُ معصيةً لسانية، تنشر البغضاء وتولد العداوات، وتضيع الجهود؟

وكذلك فإن شهادة الزور معصية لسانية وهي في الأساس كلمة.

إن الأمر يعدو الضرر الفرديَّ إلى ضرر اجتماعيٍّ عامٍ، وقد رأينا كيف تحولت بعض الكلمات الصغيرة إلى شائعات، ثم إلى أحداث، ثم إلى دماء وأشلاء، ثم إلى تأخير في نهضة هذا الوطن، وانبعاث حضارته.

من هنا فإنني أؤكد أمانة الكلمة في مثل تلك الأحداث التي يعيشها وطننا الحبيب، والتي يمكن أن تتسبب فيها الشائعة الواحدة في مقتل العشرات، بل المئات، ويكون صاحبها قد تحمَّل وزر هؤلاء جميعًا؛ بترويجه شائعاتٍ ليس لها أساس من الواقع.

والحديث موجَّهٌ بالأساس للإعلام؛ من حيث كونُه نبض الجماهير، أو ينبغي أن يكون كذلك، والرافد الأول الذي يتشكل الرأي العام بناءً عليه، وبالتالي لا بد أن يمارس دوره في ظل وعىٍ كاملٍ بأمانة الكلمة، وخطورتها في تكوين الأمم.

****************

جريدة الأهرام عدد الاثنين بتاريخ 5 رمضان 1436هـ الموافق 22 يونيو 2015م السنة 139 العدد 46949

الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/407220.aspx
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام