الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

كيف ندير خلافاتنا؟

تاريخ الإضافة : 27/06/2015
كيف ندير خلافاتنا؟

الاختلاف والتنوع سنة كونية لا يمكن لعاقل أن يتصور زوالها، أو الافتئات عليها، حتى ولو بنيةٍ حسنةٍ؛ محبةً للاجتماع والتواد؛ قال سبحانه -مؤكدًا وجودها-: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۞ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119].

فأيُّ محاولة حالمة لجعل الناس على فكرة واحدة، دينًا، أو سياسةً، أو اقتصادًا، أو اجتماعًا، هي محاولةٌ ستبوءُ حتمًا بالفشل؛ لأنها ستصادم هذه السنة الكونية الثابتة الراسخة، والتي هي دليلٌ على عظمة الخالق جل وعلا، وعلى قدرته المبهرة في الخلق والتنويع فيه.

لذلك فإن الإسلام قد أرشد إلى نوعٍ من الفقه أعتبره فريضةَ الوقت وواجبَه، وهو فقه الاختلاف، والذي يرشدنا إلى كيفية إدارة هذا التنوع الذي يمكن في بعض وجوهه أن يكون ثراء، وإثراء للمنجز الحضاريِّ لبني البشر.

ولا يظننَّ ظانٌّ أن الاختلاف له علاقةٌ بالعلم قلةً وكثرةً، أو بالتقوى وجودًا وعدمًا؛ فقد وقع الاختلاف بين خير القرون، وأفضل البشر بعد الأنبياء والرسل، وهم أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل وكان ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أمرُهُ لهم بالصلاة في بني قريظة بغريبٍ على الأسماع.

لقد روى المحدِّثون وكُتَّاب السِّيَرِ الشيءَ الكثير عن خلافاتٍ وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم في اتجاهين:

أولهما: اتجاه فقهيٌّ له تجلياته الاجتماعية؛ كما حدث بين ابن مسعود وعثمان رضى الله عنهما في إتمام الصلاة وقصرها في "مِنى"، وكذلك ما حدث بين عمر وبين ابن مسعود رضى الله عنهم جميعًا في زواج الزانيين غير المحصنين.

بل وقع الخلاف فيما يعتبره بعض طلبة العلم الآن من مسائل الاعتقاد؛ كالخلاف بين عائشة رضى الله عنها وبين عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حول رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه ليلة الإسراء.

المهم، أنه مع عظم تلك المسائل وتأثيراتها الاجتماعية لم نَرَ أحدًا فسَّقَ أحدًا أو بَدَّعَهُ أو كَفَّرَهُ، ولم نَرَ أحدًا حاول أن يقصيَ أحدًا أو يتهمه في دينه أو انتمائه.

ثانيهما: اتجاه يمكن أن يعدَّه البعض من باب السياسة بمعناه العرفي، فمثلًا حين اختلف الصحابة في سقيفة بني ساعدة أثناء اختيار خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أن حسم عمر رضي الله عنه الأمر، وطلب من أبي بكر أن يمدَّ يده ليبايعه، فتتابع الناس يبايعون أبا بكر بعد عمر رضي الله عنه، ورضي الجميع بما وصلت إليه الشورى وارتضوا أبا بكر خليفة.

وكذلك الخلاف الذي دبَّ بين أكبر رمزين في الأمة بعد رسول الله؛ وهما أبو بكر، وعمر، رضي الله عن الجميع، حول قتال المرتدين ومانعي الزكاة، وما استتبع هذا الخلاف من إمضاء أبي بكر لرأيه، بوصفه الحاكم المتحمل للمسئولية.

إن أسس هذا الفقه الذي ينبغي على كلِّ الفرقاء في الساحة المصرية أن يدركوه، تنطلق من:

التماس العذر للمخالف أولًا.

والحرص عليه ثانيًا.

وعدم الإحساس بالصواب المطلق؛ فلا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة.

وقد علَّمنا فقهاؤنا الأماجد كيف نقبل المخالف، ونضع احتمالاتِ رجاحة رأيه حين قال الشافعي رضوان الله عليه: «رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

بقي أن أشير إلى مجموعةِ آداب يجب أن يتحلى بها المختلفون في اختلافاتهم؛ ولعل أهمها:

الإنصاف، والذي يعني أن تضع نفسك مكان خصمك، وأن تنزل الآخرين منزلة نفسك، وأن يدرك المختلفون أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد المختلف فيها، وضرورة التحفظ عن تكفير فرد بعينه أو لعنه، حتى لو كان من طائفة، أو كان من أصحاب قولٍ يصح أن يوصف أنه كفر.

ثم على الجميع أن يأخذ الآخر بالظاهر، والله يتولى السرائر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُم»

****************

جريدة الأهرام عدد السبت بتاريخ 10 رمضان 1436هـ الموافق 27 يونيو 2015م السنة 139 العدد 46954

الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/408237.aspx
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام