الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الفكر المتطرف … الأسباب والمنطلقات - الخلل في فهم المقاصد الشرعيَّة

تاريخ الإضافة : 10/02/2017
الفكر المتطرف … الأسباب والمنطلقات - الخلل في فهم المقاصد الشرعيَّة

لا يخفى على أحد في هذا العصر أننا أحوج ما نكون إلى المحافظة على المقاصد الشرعية ومراعاتها وإشاعتها؛ حتى نتمكن من تصحيح صورة الإسلام وأهله، ومعالجة المستجدات والنوازل التي تتجدد في حركة الناس وعلى ساحة المجتمع، ويقتضيها الواقع.

وهذه المقاصد التي يجب حفظها تتلخص في خمسة أمور: الأديان، والنفوس، والعقول، والأعراض -وتعني الكرامة الإنسانية- والأموال، وهذه المقاصد ترسم ملامح النظام العام وتمثل حقوق الإنسان، وتكشف عن أهداف الشرع العليا، وسمات الحضارة بما يجلب المصالح الحقيقية للخلق عامة؛ لذا أجمعت كل الملل والعقول السليمة على وجوب المحافظة عليها ومراعاتها في كل الإجراءات والتشريعات، وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي: "وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا".

ولا ريب أن الأفكار المتطرفة وما يستحدثه أصحابها والمستغلون من قِبلهم والمنخدعون فيهم من مناهج ماكرة، وأفاعيل خسيسة تَكرُّ على هذه المقاصد الواجب صيانتها بالبطلان؛ وذلك لجهلهم -غفلةً أو عمدًا- بهذا الأصل، فضلًا عن فهمهم المغلوط لنصوص الوحي المقدس بِمَصْدَرَيْهِ -القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة- نظريةً وتطبيقًا؛ ومن ثَمَّ اتُخِذَ ذلك تُكأَةً لإلصاقِ الشائعاتِ والاتهامات الباطلة بهذا الدين الحنيف.

نعم، أدَّى تجاهل هؤلاء لمراعاةِ المقاصد الشرعيَّة وتنحيتها جانبًا في بيئتهم الفكرية والعملية إلى الاستهانة بالإسلام وأهله؛ فإنهم أباحوا لأنفسهم وأتباعهم احتقار الحق والخلق، والطعن في أعراض الناس عامة فضلًا عن لمز واغتيال علماء الأمةِ والتشويش على مؤسساتها الحصينة، بل وينسبون جواز هذا الإفك إلى الشرع؛ مستدلين بالنصوص الواردة في ذم المنافقين والظالمين والكافرين على ما يفعلونه من الوقيعة في الأمة وعلمائها ومواطنيها.

وفي استباحة ذلك إهانة لعرض الإنسان؛ قال تعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آَدَمَ وحَمَلْناهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْناهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

كما أن في سفكهم للدماء المعصومة واستهانتهم للنفوس المصونة من غير حجة، ما يناقض صراحةً مقصد حفظ النفس الإنسانية، مهما كان دينها أو عرقها أو مذهبها؛ فالمهاجم أو الانتحاري الذي يقحم نفسه في الموت إقحامًا يدخل تحت الوعيد الذي كشف عنه قوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّبَ به يوم القيامة»، فضلًا عن وقوع الخلاف في قبول توبته في الدنيا إن نجا من فعْلته الشنيعة؛ فالمقتول نفس مصونة في جميع الأحوال يحرم الاعتداء عليها، بل هو قتل عمد عدوانًا وظلمًا يوجب القصاص مع كونه كبيرة ليس بعد الكفر أعظم منها.

وأما مقصد حفظ الأموال فتَكرُّ أفعالُهم الشنيعة عليه بالبطلان أيضًا؛ ألم يأتِ الشرع بتحريم تدمير المنشآت والممتلكات العامة والخاصة وإتلاف الأموال حتى ولو كانت مملوكة للمتلف؟

وتزداد الحرمة وتتضاعف إذا كان هذا المال المتلَف ليس مملوكًا للمتلِف وكان مملوكًا لغيره، فتتعلق الحرمة بمخالفة نهي الشرع من جهة، وبحقوق المخلوقين من جهة أخرى.

ويضاف إلى ذلك أن هذه الأعمال التخريبية تجرُّ على المسلمين شرقًا وغربًا أضرارًا كبيرة مما يضاد مقصد جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتعطيلها مما هو مدار الشرع؛ فإنها تفتح الأبواب وتمهد الذرائع للتدخل في شئون بلاد المسلمين الداخلية والتسلط عليها واستغلال خيراتها وانتهاب مواردها بحجة ملاحقة الإرهاب، أو المحافظة على المصالح الاقتصادية أو تحرير الشعوب .. إلخ.

هل من وراء ذلك أَثَارَة من علم -فضلًا عن دليل- تنبئ أن هذه الأفكار الخادعة والأعمال الخرقاء غير المسئولة التي يقوم بها هؤلاء المغفلون أو المستغفلون؛ فيها ما حقق مصالح الخلق وتطبيق الإسلام شريعة ومنهاجًا ومقاصد؟! بل الحق أنهم يعملون لمصلحة أعداء الإسلام وأهله، ويؤكدون اللحظة تلو الأخرى على الصورة المشينة الآثمة التي يراد لها الترويج والإذاعة بأن الإسلام - زعمًا وإِفْكًا - "دين همجي دموي"، وهذا ظاهر في الإثم والعدوان، وفيه الصد عن الله وعن دين الله.

************

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 13 جمادى الأولى 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م السنة 141 العدد 47548

الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/578309.aspx
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام