الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الفكر المتطرف .. الأسباب والمنطلقات - المصريون أمة واحدة

تاريخ الإضافة : 14/04/2017
الفكر المتطرف .. الأسباب والمنطلقات - المصريون أمة واحدة

عاش المصريون -مسلمون ومسيحيون- على أرض مصر عبر التاريخ جنبًا إلى جنب؛ بيوتًا متجاورة، ومصالح مشتركة، وأهدافًا واحدة، متضامنين متحابين في سبيل الوطن، رخاءً وأمانًا، حربًا وسلامًا، حتى يئست منهم كل محاولات الوقيعة التي تتعمد نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار.

وهذه المحاولات الخبيثة تستهدف بعث الفتنة الطائفية بين جناحَي الأمة المصرية، كان آخرُها ذلك التفجير الأثيم لكلٍّ من كنيستي طنطا والإسكندرية، لكن مصيرها دائمًا كان هو الفشل والخسران؛ فلم تؤثر هذه المكائد في وحدة المصريين شيئًا، بل إن ذلك يزيدهم توحُّدًا على قلب رجل واحد، وإصرارًا على مواصلة مسيرة البناء والتنمية.

ولا ريب، فإن المصريين تتجذَّر في وجدانهم مفاهيم مبدأ المواطنة تنظيرًا وتطبيقًا في القديم والحديث، وفي ذلك معالم حضارية زاهية دعا إليها الإسلام، وجرى على مراعاتها المسلمون -تشريعًا وممارسة- عبر تاريخهم المشرف، وحضارتهم النقية، وأخلاقهم النبيلة السمحة التي دخلوا بها قلوب الناس، فالمواطنة رباط يقوم في الإسلام على الالتزام والمسئولية أبدًا، لا على العاطفة والمشاعر المعنوية التي قد تزيد أحيانًا وتفتر أحيانًا أخرى.

إن مثل هذه الأفعال الإجرامية التي يرتكبها هؤلاء الإرهابيون القتلة هي من أعظم المنكرات وأشنع الظلم، ويستوي مع الفاعل في جزائه كلُّ من رضي أو أيَّد أو أظهر الشماتة أو الفرح أو التمس الأعذار وأوجد المبررات أو لوى الأدلة وحرَّفها عن مواضعها، ويقرر هذه المعاني الإمام القرافي رحمه الله تعالى بعبارات رشيقة جامعة؛ فيقول في كتابه "الفروق" (3/ 14): [عقد الذمة يوجب حقوقًا علينا لهم لأنهم في جوارنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام؛ فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوءٍ أو غيبةٍ في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذيَّة أو أعانَ على ذلك؛ فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام] اهـ.

ولا يخفى أن التعبير بـ[عقد الذمة] فيه مراعاة للسياقات التاريخية وانتشار المصطلح ورواجه، وهو ما حلَّ مكانه في عصرنا الحاضر مصطلح [المواطنة] الذي بات من المفاهيم الأصيلة في البناء الدستوري والقانوني والاجتماعي في نظام الدولة الحديثة.

نعم، إن هذه المعاني واضحة ومقررة في الإسلام -أدلة ومناهج وحضارة وتراثًا-، وهي معلومة لدى المسلمين شرقًا وغربًا، فضلًا عن أنها تمثل سمات الشخصية المصرية وهويتها بما حبى الله تعالى المصريين من مؤسسات علمية ودينية عريقة ذات قدم راسخة؛ تتمثل في الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، لكن أصحاب الفكر المتطرف وأهل الإرهاب والإرجاف اتخذوا مرجعيات موازية، بالإضافة إلى أنهم لا يقرأون، بل ينطلقون من الهوى والضلال؛ حيث اقتطاع الأدلة والنصوص من سياقاتها، والابتعاد عن المناهج العلمية المنضبطة المتعارف عليها لدى الأمة سلفًا وخلفًا، وبذلك حادوا عن سبيل جمهور الأمة وتلبَّسوا بطريق الغواية والهوى.

وما يدعيه هؤلاء -بما لديهم من فساد العقول وخراب القلوب واختلال الموازين، سواء كان ذلك آتيًا من جهة الجهل والغفلة أو من جهة العناد واتباع الهوى- يُعد من أساليب المنحرفين الذين كشف الله تعالى لنا عن صفاتهم في مواضع كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۞ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ۞ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 204-206].

نقدم خالص العزاء لشركاء الوطن العزيز من أبناء هذا الشعب الواحد، ونؤكد أن أهل مصر قد جعلهم الله في رباط الرحمة والمودة والتكاتف والتآلف إلى يوم القيامة، ومن ثَمَّ فمصابهم واحدٌ، وألمهم واحدٌ، ودماؤهم الزكيَّة التي سُفكت غدرًا وخيانةً واحدة، إنها لتزيد الأرض قوةً وصلابةً تحت أقدام المجاهدين من أبناء الشعب والجيش والشرطة.

**********

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ: 17 رجب 1438هـ الموافق 14 أبريل 2017م السنة 141 العدد 47611

الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/588411.aspx
 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام