الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

من دروس الحج .. مبدأ المساواة

تاريخ الإضافة : 17/09/2017
من دروس الحج .. مبدأ المساواة

مبدأ المساواة من المبادئ الضرورية اللازمة من أجل عدم التمييز بين فردٍ وآخر لأي اعتبار حتى يحصل استقرار للعدل وسيادة للحق؛ فيُطْمَسُ أيُّ أثرٍ من ظلمٍ أو هضمِ حقٍّ، وهو شعارٌ رائقٌ لكن لا يزال الواقع يثبت أن المبادئ والشعارات لا تكفي وحدها، بل لا بد أن يصاحبها توضيح المعاني وشرح الأساليب والوسائل.

والإسلام سبَّاقٌ في هذا الشأن؛ فنجد مبدأ المساواة أصلًا من أصول هذا الدين الحنيف، معتَبَرًا في مقاصده وحِكَمه، مطلوبًا فيه بحكم التعبد لله تعالى، واضحةً وسائلُهُ وصورُهُ، مراعًى فيه أمران مهمَّان هما الثواب والعقاب، سواء في الدنيا والآخرة من أجل تحلي الإنسان باعتباره إنسانًا بالسمو والرقي فيكون نافعًا لنفسه ومفيدًا لعالمه.

ورغم شيوع هذه المعاني في أركان الإسلام وأحكامه وآدابه فإن شعيرة الحج تُعَدُّ أعظم منسك تتجلى فيه معاني مبدأ المساواة بأسمى صورها؛ فالحج موسم كبير يهوي إليه المسلمون من كل مكان في المعمورة فيتحلَّون في أثناء أداء مناسكه بمبدأ المساواة مَخبَرًا ومَظهَرًا، حيث تُصهَر فيه كل مظاهر الفُرْقَة والتمييز بينهم؛ فلا فرق هنالك بين ذكر أو أنثى، ولا بين أعجمي أو عربي، ولا بين طويل أو قصير، ولا صحيح أو مريض، ولا بين رئيس أو مرؤوس، ولا بين غني أو فقير، ولا بين أبيض أو أسود؛ فكلهم جميعًا من أصل واحد، أبوهم آدم عليه السلام.

كما أنهم مخاطبون بأداء هذه الفريضة على درجة واحدة، ومجتمعون لغاية واحدة، يُحْرِمون في مواقيت زمانية ومكانية واحدة، ويرْتَدُون لباسًا -غير مَخِيط مُحِيط- مواصفاته واحدة، ويُلبُّون بشعارٍ واحد، ويُؤدون شعائرَ واحدة: ربهم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، وقِبْلَتُهُم واحدة، فهم أمةٌ واحدة كما يريد الله تعالى منهم، لا أممٌ شتَّى كما يريد لهم أعداؤهم.

إن اجتماع هذه السمات الراقية في الحج ومناسكه يبرز لنا الحكمة البالغة من وراء تخصيص النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لهذا الموقف الجليل ببيان أحكام الإسلام وإصدار المواثيق العامة على رؤوس الأشهاد التي تؤسس للحقوق والواجبات وتبين مقاصد التشريع وترسم سمات الصراط المستقيم بصيغة جامعة وقاطعة لا لبس فيها.

فقد ورد في هذا الموقف قوله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، ألَا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألَا لَا فضل لعربيٍّ على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلَّغتُ؟» قالوا: بلغ رسول الله. (مسند الإمام أحمد/ 23489).

وفي ذلك هدمٌ مباشرٌ لكل معايير التمييز والتفاضل، مع وضع معيار حكيم إذا استدعى الأمر ذلك بحيث لا يخل بهذا المبدأ في ذاته، وهو يتجلى في التحقق بالتقوى، التي تحمل صاحبها على أداء حقوق الله تعالى وحقوق العباد على درجة واحدة في الطلب والأداء دون الإخلال بأيهما على حساب الآخر على قدر الطاقة البشرية.

كما أنه صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف الجامع أطلق بيانًا جامعًا لحقوق المرأة، فضلًا عن تحريض الرجال ووصيتهم بحسن العشرة وطيب المعاملة، مع تأكيد أن هذه الحقوق والواجبات قائمة على التقابل والتزام كلٍّ بما عليه للآخر، وهذا يحمل في طياته مظهرًا صريحًا من مظاهر مبدأ المساواة بين المرأة الرجل، والذي يقرر مساواتهما لا تساويهما في أصل التكليف وأصل الحقوق والواجبات، مع ملاحظة وظائف كلٍّ وخصائصه.

وبذلك تتجلى معاني مبدأ المساواة وصوره الواقعية في مناسك الحج وأعماله، والتي تؤكد أهمية شعيرة الحج في تعميق الأخوة والمساواة بين الإنسانية، مع التنفير من تقسيم الناس إلى طبقات يعلو بعضها فوق بعض، مع البعد عن بناء حقوق الإنسان ومبدأ المساواة على تغليب المنفعة الخاصة على العامة أو العكس، بل إنها لتحرض الناس على تحقيق مبدأ المساواة بطريقة متوازنة حكيمة.

*****************

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 24 ذي الحجة 1438هـ الموافق 15 سبتمبر 2017م السنة 142 العدد 47765

الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/613539.aspx

 

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام