الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تفكيك الفكر المتطرف .. الأسباب والمنطلقات .. الخلل في تناول المفاهيم .. مَفهومُ السُّنةِ والبِدْعَة

تاريخ الإضافة : 24/12/2017
تفكيك الفكر المتطرف .. الأسباب والمنطلقات .. الخلل في تناول المفاهيم .. مَفهومُ السُّنةِ والبِدْعَة

أتمَّ الله تعالى نعمته على الناس كافَّةً ببعثة خير الرسل وصفوة الأنبياء صلى الله عليه وسلم، فكَمُل به الدين الحنيف والرسالة السَّمحة؛ لتصل إلى العالمين بصورةٍ نقيةٍ.

ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرشدنا إلى الاتِّباع، وبيَّن لنا سبيل ذلك؛ فأمرنا بالتمسُّك بالقرآن وما جاء به؛ فقال: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَاب اللهِ» "صحيح مسلم"، ويُجمَع مع ذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ؛ فقد شرح صلى الله عليه وسلم لأمته ما انطوى على القرآن الكريم من أحكام شرعيَّة، ومن ثَمَّ كانت السُّنةُ مبينةً للكتاب وكاشفةً له، لا مبطلةً له أو معطِّلةً لأحكامه.

لقد اتخذ المسلمون السنة النبوية عبر عصورهم مصدرًا للتشريع بعد القرآن الحكيم، مع معرفةٍ دقيقةٍ بما ورد منها على سبيل القطع وبما ورد على سبيل الظَّنِّ، وتمييزٍ حكيمٍ بين ما جاء منها على جهة الوجوب وما كان على سبيل النَّدب، وما هو من مكارمِ الأخلاق، أو ما كان مَبْنيًّا على العُرف والعادة والآداب العامة والذوق الإنساني.

هذه سماتٌ جامعةٌ للميزان الدقيق، ومعالم واضحةٌ لطريق الصحابة ومِن بعدهم علماءُ الأمة في تحديد معاني السنة وضوابطها، ومعانى البدعة وشروطها؛ فالسنة هي الطريقة والمنهاج، والبدعة هي المُحْدَثَاتُ والمُخْتَرَعات على غير مثالٍ سابقٍ، سواء في الأمور الدينية أو في الشئون الحياتية، وقد وردا -السنة والبدعة- كأمرين متقابلين في الأدلة الشرعيَّة، حثًّا لاتِّباع الأول، وتنفيرًا عن مقاربة مظاهر الثاني؛ حيث ورد عنه صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» "سنن أبي داود".

والحقيقة أن هذه المقررات المنقولة والمتبعة في بيان مواضع التأسي والاقتداء في كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ لدى جمهور الأمة سلفًا وخلفًا تكشفُ عن صفات أصحاب الفكر المتشدد؛ لأننا نجد أنهم يوسِّعُون مفهومَ البدعَة حتى شَمل كلَّ ما هو جديد لم يكن معهودًا من المسائل في الزمن الأول لمجرَّد ذلك، فعاشوا عصرًا غير عصرهم، وحكموا على علماء الأمَّة -فضلًا عن عامَّتها- بالضلالة والزيغ، دون التفات إلى المناهج المقرَّرة في طرق الاستنباط من الأدلة، بالإضافة إلى أنهم قد فقدوا التحلِّي بالتجرُّد والتحرُّر من الهوى والمشرَب.

كما أنهم اختزلوا هذا المفهوم في الفهم والتطبيق، بداية من استقطاب الأتباع تحت شعارات: "اتِّباع السنة"، و"كتاب وسنة بفهم سلف الأمة" دون مراعاة لحقائقها، ومرورًا بالتخلُّص من الخصوم بالاغتيال المعنوي، والتصنيف بأن هذا "صاحب بدعة"، وذاك "صاحب انحراف"، وانتهاءً باعتقاد أن اختيارهم يُعبِّر دائمًا عن الحقِّ والصَّواب، وكل ذلك من المنكر الذي يقطع به الإسلام وأهله.

وبذلك اتخذوا طريقًا موازيًا لمقياسٍ دقيقٍ حرَّره العلماء الأَثْبَات في قبول هذه الأمور، سواء كانت في العقائد أو العبادات أو المعاملات أو الأمور الحياتية؛ حيث اشتراط الموافقة والاعتبار لهذه البدعة لأصول الدين وكلياته، وعدم مصادمة القواطع، من خلال عرضها على قواعد الشريعة، وردِّها إلى مَثِيلاتها في الكتاب والسنة وَفق طرق الاستنباط المعروفة؛ من أجل إصدار حكم شرعي مناسب لواقعها ومقصدها؛ فهي إما أن تكون واجبةً، أو محرمةً، أو مندوبةً، أو مكروهةً، أو مباحةً؛ استنادًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» "صحيح مسلم" (1017).

*******

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 4 ربيع الثاني 1439هـ الموافق 22 ديسمبر 2017م السنة 142 العدد 47863

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/628945.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام