الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

الجمع بين الأضحية والعقيقة

ما حكم الجمع بين نية العقيقة والأضحية، أو بين نية الشكر على النعمة التي تحصل للإنسان وبين الأضحية؟

الإجابة

الأضحية في حق المسلم القادر سنة نبوية مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد شرعها الله تعالى؛ إحياء لسنة نبيه إبراهيم عليه السلام، وتوسعة على الناس يوم العيد؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه الإمام مالك في "الموطأ": «إِنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ للهِ عز وجل»، وهى: اسم لما يذبح من الإبل، والبقر، والغنم يوم النحر وأيام التشريق تقربًا إلى الله تعالى.
والأصل في مشروعية الأضحية قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ۞ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 1-2]، ويكره ترك الأضحية لمن قدر عليها؛ لما رواه الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا".
وللأضحية ثواب عظيم عند الله تعالى، فقد روى الإمام البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما سأله أصحابه عن الأضاحي قال: «سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ»، قالوا: فما لنا فيها يا رسـول الله؟ قال: «بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ»، قالوا: فالصوف يا رسول الله؟ قال: «بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنْ الصُّوفِ حَسَنَةٌ»، وروى الترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما عَمِلَ آدميٌّ من عملٍ يومَ النحرِ أحبَّ إلى اللهٍ منِ إهراقِ الدمِ -أي: ذبح الأضحية-، إنها لتأتى يومَ القيامةِ بقُرونِها وأَشعارِها وأَظلافِها، وإنَّ الدمَ ليقعُ من اللهِ بمكانٍ قبلَ أن يقعَ على الأرضِ، فَطِيبُوا بها نفسًا».
والأضحية لا تكون إلا من الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34] فيجزئ من الضأن ما له نصف سنة فأكثر، ومن المعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنين، يستوي في ذلك الذكر والأنثى، ويشترط لصحة الأضحية، أن تكون سليمة من العيوب والأمراض؛ لما رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يُضَحَّى بِالْعَرْجَاءِ بَيِّنٌ ظَلَعُهَا، وَلَا بِالْعَوْرَاءِ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَلَا بِالْمَرِيضَةِ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَلَا بِالْعَجْفَاءِ الَّتِي لَا تُنْقِي».
والعقيقة شرعًا هي: الذبيحة التي تذبح عن المولود؛ ذكرًا كان أو أنثى، وهي سنةٌ مؤكدةٌ فعلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ فقد روى أصحاب "السنن": "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عَقَّ عن الحسن والحسين رضي الله عنهما كبشًا كبشًا".
وقد ذكر الفقهاء أنواعًا من الولائم؛ منها: الأملاك، والإعذار، والحذاق، والوكيرة، والخرس، والنقيعة، والمأدبة، والوضيمة، والعقيقة؛ قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في كتاب "الغرر البهية في شرح البهجة الوردية" (4/ 209، ط. المطبعة الميمنية): [وندب وليمة -من الولم، وهو: الاجتماع- وهي تقع على كل طعام يتخذ لسرور حادث، من عرس وأملاك وغيرهما، لكن استعمالها مطلقة في العرس أشهر، وندبها فيه آكد ؛كما نص عليه في "المختصر" وغيره، وأما في غيره فيقال: وليمة الختان وغيره، ويقال: للطعام المتخذ للأملاك؛ أي: العقد، ملاك وشندخي، وللختان إعذار بكسر الهمزة وإعجام الذال، ولسابع الولادة عقيقة، ولسلامة الطلق خرس بضم الخاء المعجمة وبسين مهملة، ويقال: بالصاد، ولقدوم المسافر نقيعة، ولإحداث البناء وكيرة، ولحفظ القرآن حذاق بكسر الحاء المهملة وبذال معجمة، وللمصيبة وضيمة، وليست من الولائم، ولغير سبب مأدبة بضم الدال وفتحها، وندب الوليمة ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعلًا، وقولًا؛ فقد روى البخاري في "صحيحه": "أنه صلى الله عليه وآله وسلم، أولم على بعض نسائه بمدين من شعير"، وفي "الصحيحين": "أنه صلى الله عليه وآله وسلم، أولم على صفية بتمر وسمن وأقط"، وأنه قال لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه -وقد تزوج-: «أولم ولو بشاة» والأمر فيه للندب قياسًا] اهـ.
وقد نظم العلامة أحمد بن قاسم العبادي الشافعي أنواع الولائم، في "حاشيته على الغرر البهية في شرح البهجة الوردية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري" (4/ 209، ط. المطبعة الميمنية)، فقال: 
[عـشــر تـجـاب مـن الـولائـم يـا فــتــى
مـن يحـصـها قـد عـزَّ في أقرانـه 
 فـالخـرس إن نـفـست كـذاك عقـيقة
لـلـطفل والإعـذار عـنـد خـتــانــه 
 ولـــــحــــفــــــظ قـــــرآن وآداب فـــــقــــد
قــالـوا الـحـذاق لـحـذقـه وبـيـانـه 
 ثــــم الـــمـــلاك ولــــعــقـــده فــــولــيــمــــة
في عرسه فاحرص على إعلانه 
 وكــذاك مـــأدبـــة بـــلا ســـبــــب تــــرى
ووكـــــيـــــرة لـــــبــــنـــائــــه لـــمــكــانــه 
 ونـــقـــيـــعــــة لـــقــــدومــــه ووضـــيــــمــــــة
مــن أقــرباء المــيت أو جـيـرانــه] اهـ. 
ولا شك أنَّ من مقاصد مشروعية الأضحية والعقيقة؛ إظهار التكافل الاجتماعي بين الناس، ومن ثم فإن بعض الفقهاء يجيزون الجمع بينهما ويرون وجاهته، وكأنهم يرون في جواز الجمعِ التخفيفَ عن الفقير الذي لا يجد ما يحقق به النُّسُكَيْنِ جميعًا، وأنَّه يحصل به كذلك الإبقاء على الشعائر الإسلامية.
وقد أورد الفقهاء صورًا ينوي فيها المكلف التشريك بين عبادة مفروضة وعبادة مندوبة ويحصلان معًا، وقد ينوي مع النافلة نافلة أخرى فلا يحصلان وقد يحصلان في صور. وقد ذكر القفال أنه لو نوى غسل العيد والجمعة يحصلان معًا، وذكر الإمام السيوطي الشافعي أنه لو صام يوم عرفة وقد وافق يوم الإثنين، صح عن النافلتين.
قال العلامة الإمام السيوطي الشافعي في "الأشباه والنظائر" (ص: 126، ط. دار الكتب العلمية): [القاعدة التاسعة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالبًا... لو دخل المسجد وصلى الفرض دخلت فيه التحية، ولو دخل الحرم محرما، بحج فرض أو عمرة، دخل فيه الإحرام لدخول مكة، ولو طاف القادم عن فرض أو نذر، دخل فيه طواف القدوم، بخلاف ما لو طاف للإفاضة، لا يدخل فيه طواف الوداع؛ لأن كلًّا منهما مقصود في نفسه، ومقصودهما مختلف، وبخلاف ما لو دخل المسجد الحرام، فوجدهم يصلون جماعة فصلَّاها، فإنه لا يحصل له تحية البيت، وهو الطواف؛ لأنه ليس من جنس الصلاة. ولو صلى عقيب الطواف فريضة، حسبت عن ركعتي الطواف؛ اعتبارًا بتحية المسجد. نص عليه في القديم، وليس في الجديد ما يخالفه. وقال النووي: (إنه المذهب)] اهـ.
ويمكن أن تعد العقيقة والأضحية من السنن التي يمكن تداخلهما، ويصح قصدهما بنية واحدة؛ كما صح الغسل يوم العيد بنية الجمعة والعيد، وكما صح صيام يوم عرفة ويوم الإثنين؛ إن وافق يوم الإثنين، فيجوز الجمع بين الأضحية والعقيقة في ذبيحة واحدة إن وافق وقت العقيقة وقت الأضحية، وهو أحد الروايتين عن الإمام أحمد؛ قال العلامة البهوتي الحنبلي رحمه الله في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 616، ط. عالم الكتب): [وإن اتفق وقت عقيقة وأضحية، بأن يكون السابع أو نحوه من أيام النحر، فعق، أجزأ عن أضحية، أو ضحى أجزأ عن الأخرى؛ كما لو اتفق يوم عيد وجمعة فاغتسل لأحدهما، وكذا ذبح متمتع أو قارن شاةً يوم النحر، فتجزئ عن الهدي الواجب وعن الأضحية] اهـ.
وقال في "كشاف القناع" (3/ 29، ط. دار الكتب العلمية): [ولو اجتمع عقيقة وأضحية ونوى الذبيحة عنهما؛ أي: عن العقيقة والأضحية، أجزأت عنهما نصًّا، وقال في "المنتهى": "وإن اتفق وقت عقيقة وأضحية، فعق أو ضحى أجزأ عن الأخرى" اهـ. ومقتضاه: إجزاء إحداهما عن الأخرى وإن لم ينوها، لكن تعبير المصنف موافق لما عبر به في "تحفة الودود": آخرًا، قال الشيخ شمس الدين محمد (ابن القيم في كتابه "تحفة الودود في أحكام المولود": كما لو صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة، أو صلى بعد الطواف فرضًا أو سنة مكتوبة وقع)؛ أي: ما صلَّاه عنه؛ أي: عن فرضه] اهـ.
وقد ورد عن بعض فقهاء الشافعية أنهم يقبلون ذلك مطلقًا، ويرونه وجيها، قال الشيخ سليمان بن محمد البجيرمي الشافعي في "حاشيته على شرح منهج الطلاب" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري المسماة "التجريد لنفع العبيد" (4/ 302، ط. مطبعة الحلبي): [ولو نوى بها شاة العقيقة والضحية، حصلا عند شيخنا خلافًا لحج؛ حيث قال: لا يحصلان؛ لأن كلًّا منهما سنة مقصودة، وهو وجيه] اهـ، وقصده بشيخنا الشيخ محمد العشماوي وقوله: (لحج) يقصد بها ابن حجر الهيتمي.
وقال العلامة الرملي الصغير الشافعي في "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" (8/ 145، ط. دار الفكر) بقوله: [ولو نوى بالشاة المذبوحة الأضحية والعقيقة حصلا خلافًا لمن زعم خلافه]اهـ.
وذهب كثير من الفقهاء إلى أن الأضحية كالعقيقة في كثير من الأحكام، وأنه يجوز أن تكون العقيقة من البقر والإبل؛ قال العلامة الرملي الكبير في "حاشيته على أسنى المطالب شرح روض الطالب" (1/ 548، ط. دار الكتاب الإسلامي): [فصل: العقيقة كالأضحية في استحبابها: قوله: (من جنسها وسنها) روى أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" عن الحسن عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «يعق عنه يوم سابعه من الإبل والبقر والغنم» وسنده ضعيف، وكتب أيضًا: قال في "المجموع": لو ذبح بقرة أو بدنة عن سبعة أولاد أو اشترك فيها جماعة جاز، سواء أرادوا كلهم العقيقة أو بعضهم العقيقة وبعضهم اللحم. وقوله: قال في "المجموع"... إلخ، أشار إلى تصحيحه] اهـ.
وقال العلامة شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "الغرر البهية في شرح البهجة الوردية" (5/ 171، ط. المطبعة الميمنية): [والعقيقة كالأضحية في الحقيقة في سنيتها، وجنسها وسنها وسلامتها، والأفضل منها، والأكل والتصدق والإهداء].
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "الروض المربع شرح زاد المستقنع" (ص294، ط. دار المؤيد- مؤسسة الرسالة): [(وحكمها) أي: حكم العقيقة فيما يجزئ ويستحب ويكره والأكل، والهدية، والصدقة (كالأضحية)]؛ قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم العاصمي في حاشيته عليه (4/ 250، بدون طبعة): [أي حكم العقيقة كالأضحية فيما يجزئ من إبل وبقر وغنم وفيما يستحب، كالسلامة من كل عيب مما مر ونحوه، وكاستسمان، واختيار الأفضل، وفيما يكره، كمعيبة الأذن والألية، ونحو شقٍّ أو قطعٍ] اهـ.
ومن المقرر أنَّ المضحي يجزئه أن يشترك في بقرة أو ناقة فيما لا يقل عن السبع؛ وعلى ذلك فيجوز أن يجمع بين الأضحية والعقيقة في بقرة أو بدنة ما دام لم يقل نصيب كل واحدة منهما عن سبع الذبيحة.
وعلى هذا وفي واقعة السؤال: فيجوز الجمع بين الأضحية والعقيقة في بقرة أو بدنة على ألَّا يقل نصيب كل واحدة منهما عن سُبع الذبيحة، ولا مانع لمن لا يملك ثمن العقيقة والأضحية معًا أن يجمع بينهما بنية واحدة في ذبيحة واحدة إن وافق وقت العقيقة وقت الأضحية؛ تقليدًا لمن أجاز، ومن فقهاء الشافعية من جوز الجمع بين الأضحية والعقيقة، ورأى ذلك وجيهًا؛ تخفيفًا على من لا يملك ثمن العقيقة والأضحية معًا، ولا يريد أن يُقَصِّر فيما شرعت الشريعة من نسك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام