حكم ذبح الأضحية في غير بلد المضحي

26 مايو 2024 م

ما حكم ذبح الأضحية في غير بلد المضحي؟ فرجلٌ اعتاد أن يضحي بشاة، لكنه عجز هذا العام عن شرائها بسبب غلوِّ الأسعار، وقد أشار عليه أحد الأشخاص أن يوكل من يذبح له في بعض الدول الإفريقية التي ترخص فيها أسعار الماشية؛ لكون المبلغ الذي معه يكفيه للأضحية في إحدى هذه الدول، فهل يلزمه ذلك، وهل يختلف الحكم لو نذرها؟ وهل يوجد فرق بين الأضحية والعقيقة في ذلك، أرجو الإفادة وجزاكم الله خيرًا.

المحتويات

 

المقصود بالأضحية وحكمها

الأضحية: اسمٌ لما يُذْبَحُ مِن النَّعم -الإبل، والبَقَر والجامُوس، والضَّأْن والمَعْز- تقربًا إلى الله تعالى يوم النحر وأيام التشريق، كما في "النجم الوهاج" لأبي البقاء الدَّميري (9/ 499، ط. دار المنهاج)، وهي شعيرةٌ من شعائر الإسلام، وسُنَّةٌ مؤكدة عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة. ينظر: "المعونة" للقاضي عبد الوهاب المالكي (1/ 657، ط. المكتبة التجارية)، و"المهذب" للإمام الشيرازي الشافعي (1/ 432، ط. دار الكتب العلمية)، و"المغني" للإمام ابن قدامة الحنبلي (9/ 435، ط. مكتبة القاهرة).

والأصل فيها قول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَإنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» أخرجه الترمذي -واللفظ له- وابن ماجه والبيهقي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

المقصود بالعقيقة وحكمها

أما العقيقة فتطلق ويُراد بها الشَّعر الذي يُولَد به الطفل؛ لأنه يشق جلده ليخرج منه، كما تُطلق ويُراد بها الذبيحة التي تُذبح في يوم حَلْقِ هذا الشَّعر استحبابًا في اليوم السابع من مولده، وهي في أصلها من العادات المعروفة عند العرب؛ حيث كانوا بها يتلطَّفون بإشاعة نَسَبِ الولد بعد ولادته بإكرام الناس وإطعامهم، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقرها وأمر بها وفعلها وصحابتُهُ الكرام رضوان الله عليهم والسلف والخلف من بعدهم من غير نكير.

فعن سلمان بن عامر الضَّبِّي رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ؛ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» أخرجه البخاري.

المقصود بالنذر وحكمه

أما النذر فمعناه إِيجاب المرءِ فِعْلَ الْبِرِّ على نفسه؛ كما في "الاستذكار" للإمام ابن عبد البر (5/ 173، ط. دار الكتب العلمية)، وحكمه: وجوب الوفاء به متى كان في طاعةٍ، لقول الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، ولما أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».

حدود الاستطاعة في النذر والأضحية

على الرغم من كون الأضحية أو العقيقة سُنَّةً مؤكدة إلا أنه قد يتعلق بهما ما يوجبهما؛ كالنذر، وحينئذٍ تلزم الناذر ويجب عليه الوفاء بها متى قدر عليها، وذلك باتفاق الفقهاء، قال الإمام ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (6/ 156- 157، ط. مكتبة الرشد): [النذر في الطاعة واجب الوفاء به عند جماعة الفقهاء لمن قدر عليه، وإن كانت تلك الطاعة قبل النذر غير لازمة له فَنَذْرُهُ لها قد أوجبها عليه؛ لأنه ألزمها نفسه لله تعالى، فكل من ألزم نفسه شيئًا لله فقد تعين عليه فرض الأداء فيه] اهـ.

ومن المقرر شرعًا أن محلَّ التضحية أو العقيقة -سنة مؤكدة كانت أو واجبة- هو موضع وجود المضحي أو مؤدي العقيقة سواء كان ذلك الموضع بلده أو مكان سفره، إذ مكان وجوده هو المعتبر في القدرة والاستطاعة؛ لأن الوفاء بالطلب مقيدٌ بقدرة المكلف واستطاعته، وهي تحصل بقدرته على الأداء في مكانه سواء بنفسه أو بغيره عن طريق الإنابة، ولا يلزم العدول عن المحلِّ لمجرد القدرة على الوفاء في غيره، فإن لم يستطع في مكانه وبلدته فلا يكلف شرعًا بالانتقال إلى بلدة أخرى لتحقيق التكليف، فلم يعد في حقة موجودًا سنةً أو واجبًا حتى يقال له: افعل السنة أو الواجب، حتى وإن كانت لديه القدرة المالية في البلدة الأخرى على ذلك، فقد سقط عنه الطلب، بناءً على عدم قدرته في بلده.

قال الإمام الماوردي في "الحاوي الكبير" (15/ 155، ط. دار الكتب العلمية): [فمحل الهدي الحرم؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33]، ومحل الضحايا في بلد المضحي] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 425، ط. دار الفكر): [محل التضحية موضع المضحي سواء كان بلده أو موضعه من السفر] اهـ.

وقال الإمام الغزالي في "الوجيز" (2/ 214، ط. دار الأرقم): [(وأما العقيقة) فهي أيضًا كالضحية في أحكامها] اهـ.

وما تقرر سابقًا من أنَّ القدرة في الذبح واجبًا كان كالنذر، أو سنة كالأضحية أو العقيقة منوطة بمكان المكلف -هو نظير ما نصَّ عليه الفقهاء في فروع عديدة اعتبرت فيها القدرة بمكانه، ومنها:

- ما نصَّوا عليه فيمن عُدم الماء في موضعه، فمع كونه مكلفًا بطلب الماء عند الوضوء لأداء الصلاة، إلا أن اشتراط الطلب مقيد فيما قرب منه من الأماكن التي يُتوقع فيها وجود الماء، ولا يلزمه أن ينتقل إلى بلدٍ بعيدٍ ليطلبه حتى وإن علم وجود الماء فيه، وحينئذٍ يجزئه التيمم ويسقط عنه التكليف بطلب الماء لفقده في محله، وذلك باتفاق الفقهاء مع اختلافٍ بينهم في مقدار ضابط البُعد الذي لا يلزم المكلف الطلب فيه. ينظر: "بدائع الصنائع" للإمام علاء الدين الكاساني الحنفي (1/ 47- 48، ط. دار الكتب العلمية)، و"شرح مختصر خليل" للعلامة الخرشي المالكي (1/ 189- 190، ط. دار الفكر)، و"الغرر البهية" للشيخ زكريا الأنصاري الشافعي (1/ 175، ط. المطبعة الميمنية)، و"كشاف القناع" للعلامة البهوتي الحنبلي (1/197- 198، ط. دار الكتب العلمية).

- ومنها ما نصَّ عليه فقهاء الشافعية -مقابل المشهور- فيمن لا يعرف التحدث باللغة العربية، فمع كون الأمر بتعلم العربية مطلوبًا لأجل الصلاة، لكن لا يلزمه أن ينتقل إلى بلدٍ غير بلده ليتعلمها. قال العلامة الروياني في "بحر المذهب" (2/ 16، ط. دار الكتب العلمية): [إذا لم يعلم بالعربية ليس عليه أن ينتقل إلى بلٍد آخر ليجد من يعلمه، كما إذا عدم الماء في موضعه ليس عليه أن ينتقل إلى بلد الماء، وعليه أن يطلب من يعلمه في بلده كما يلزمه طلب الماء في موضعه] اهـ.

وقال العلامة ابن الرفعة في "كفاية النبيه" (3/ 88، ط. دار الكتب العلمية): [إطلاق الشيخ وجوب التعلم يقتضي... وقيل: لا يجب على البدوي قصد البلد للتعلم، وهو ما أورده الماوردي لا غير؛ قياسًا على قَصْدِهِ لطلب الماء] اهـ.

فهذا كله يدلُّ على أنَّ الناذر أو المضحي أو مؤدي العقيقة إذا قدر على أداء التكليف سنةً كان أو واجبًا في مكانه أداه، وإن عجز فلا يلزمه الانتقال إلى بلدة أخرى لأدائه، لا بنفسه ولا بغيره.

وهذا مالم يكن قد نَذَرَ التضحية في مكان محدد، وإلا لزمه الوفاء به في المكان الذي حدده دون غيره، والأصل في ذلك ما أخرجه ابن ماجه في "السنن" عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر بِبُوانةَ، فقال: «فِي نَفْسِكَ شَيءٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالَ: لَا، «قَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ».

وأخرج الإمام البيهقي في "معرفة السنن والآثار" بسنده عن الإمام الشافعي رضي الله عنه، أنه قال: "وإنْ نذر أن ينحر بمكة لم يجزئه إلا أن ينحر بمكة، فإنْ نذر أن ينحر بغيرها ليتصدق لم يجزئه أن ينحر إلا حيث نذر".

ولا ينافي ذلك ما ذكره الفقهاء من جواز التوكيل بالذبح في أيِّ مكان، إذ ما قاله الفقهاء إنما يتعلق بالجواز من حيث الإجزاء لا من حيث الإلزام والطلب، وذلك بعد قدرته على التكليف في مكانه كما سبق، قال الشيخ زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1/ 531، ط. دار الكتاب الإسلامي): [ثم جواز نقل النذر والوصية والكفارة مطلقًا وقدمت ثم أن محله إذا لم يعين البلد] اهـ.

وهذا الجواز -عند التوكيل بالذبح خارج بلد الموكل- مشروط بكون الجهة أو المؤسسة التي تمارس العمل الأهلي وتتلقى الأموال لأجل هذا الغرض مندرجة تحت مظلة القانون وخاضعة لأحكامه، ومن ثم يحظر التعامل مع أيِّ جهة أو مؤسسة غير مصرح وغير مأذون لها بمزاولة هذه الأعمال، وهو ما نص عليه القانون المصري رقم 149 لسنة 2019م بإصدار قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي، حيث جاء في المادة الرابعة من مواد الإصدار: [يحظر على أيِّ جهة أو كيان ممارسة العمل الأهلي أو أي نشاط مما يدخل في أغراض الجمعيات وغيرها من مؤسسات المجتمع الأهلي الواردة في القانون المرافق دون الخضوع لأحكامه] اهـ.

فإن كانت جهة تختص بنقل الأموال إلى خارج مصر فيلزم أن تكون تحت إشراف الجهاز الرقابي في الدولة، ومصرحًا لها بمزاولة هذا النشاط، وهو ما نص عليه القانون السالف الذكر في المادة (70) حيث جاء فيها ما نصه: [يحظر على المنظمة الأجنبية غير الحكومية المصرح لها إرسال أو نقل أو تحويل أي أموال أو تبرعات إلى أي شخص أو منظمة أو هيئة أو مؤسسة أو جهة في الخارج إلا بعد موافقة الوزير المختص دون غيره، كما يحظر عليها تلقي أي أموال من أي شخص طبيعي أو اعتباري بخلاف مصادر تمويلها المنصوص عليها بالتصريح الصادر لها إلا بعد موافقة الوزير المختص دون غيره] اهـ.

وهذا لـِما تقرر من أن لولي الأمر تقييد المباح، وأنه إذا أمر به وجبت طاعته في ذلك؛ لأن طاعة لولي الأمر في المعروف واجبةٌ.

فإن عجز الناذر عن الوفاء بنذره -على ما سبق بيانه- فعليه كفارة يمين؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا وَلَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، ومن نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رواه أبو داود وابن ماجه.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالسائل سقط عنه التكليف بالتضحية أو العقيقة أو النذر بالعجز عنه وعدم القدرة، فلم يعد الأمر في حقة سنة أو واجبًا، ومن ثم فلا يلزم هذا السائل أن يوكل من يذبح عنه في بعض الدول الإفريقية التي ترخص فيها أسعار الماشية، سواء كانت الأضحية أو العقيقة واجبة عليه بالنذر أو غير واجبة، إذ محلُّ التضحية والعقيقة موضع وجود المضحي أو مؤدي العقيقة، فهو المعتبر في القدرة والاستطاعة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

 

اقرأ أيضا