الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

تأملات صائم .. أخلاق المسلمين بين بدر وفتح مكة

تاريخ الإضافة : 03/06/2018
تأملات صائم .. أخلاق المسلمين بين بدر وفتح مكة

تورث عبادة الصوم لدى الصائمين دوام التعلق بالله تعالى في الباطن والظاهر، وتبث في نفوسهم ضرورة التحقق بسمات الإرادة القوية ومظاهر العزيمة الصادقة والتحلي بالقيم النبيلة والالتزام بضوابط الأخلاق ومقتضيات الحكمة عند التنازع سرًّا وعلانية؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الصيامَ ليسَ مِن الأكلِ والشُّربِ فَقَط، إِنَّمَا الصيامُ مِن اللَّغْوِ والرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ، أو جَهِلَ عَليكَ، فَقُل: إِنِّي صَائِمٌ».

وهذه المعاني هي المنتصرة أبدًا، لكونها تمثل قوام العمران والحضارة، وضمان الاستقرار والأمان، وهي أيضًا معالم قطعيةٌ ثابتةٌ قررها الشرع الشريف، وحصل بها الوفاء من قِبل مجموع الأمة الإسلاميَّة في السلم وفي الحرب على حَدٍّ سواء، وهذا نَجِدُهُ ظاهرًا في غزوة بدرٍ الكبرى وفتح مكة المكرمة؛ حيث نلاحظ عدة قواسم مشتركة تؤكد على ضرورة مراعاة قواعد عُليَا عند التعامل مع الآخر؛ حيث الجنوح إلى السلام أبدًا وجَعْل خيار الحرب آخر الحلول المتاحة.

لقد تحمل المسلمون ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم جملةً كبيرةً من المواقف القاسية والأزمات الشديدة المتوالية لمدةٍ تقرب من خمس عشرة سنة قبل وقوع معركة بدر الكبرى (في يوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة المشرفة الموافق 624م)، وفي أثنائها سَلَكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مع مَن يعادونه مختلف طرق الحكمة والموعظة الحسنة، وعرض الصلح وعقد السلام بينه وبينهم، لكنهم رفضوا الْمَسْلَكَيْن، وأصرُّوا على المواجهة والحرب، فكانت بدرٌ الكبرى؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ [الحج: 39-40]. كما تحمل المسلمون بعد بدرٍ أيضًا مظاهرَ متنوعةً من العداء وأساليب ماكرة من الكيد في الظاهر والباطن؛ لأن أهل مكة جعلوا العلاقة بينهم وبين المسلمين قائمةً على العداء والحرب الدائمة، فلم يكتفوا بإيذاء المسلمين وتحريز أموالهم وإخراجهم من أوطانهم، بل أعدوا الجيوش وشحنوا النفوس بالكراهية مع إحكام الخطط والمؤامرات للهجوم على المدينة المنورة، وبعد فشلهم المتكرر في ذلك كله اضطروا إلى توقيع صلحٍ عُرِفَ بمكان انعقاده فَسُمِّيَ بـ"صلح الحُدَيْبِيَة"، والذي سرعان ما نقضوه هم وحلفاؤهم رغم شروطهم الظالمة، فكان فتح مكة المكرمة (في شهر رمضان أيضًا للسنة الثامنة من الهجرة النبوية الموافق 631م).

ويستفاد من هاتين الواقعتين الخالدتين دروسٌ عظيمةٌ، تتجلى في إيثار السلم والصلح والعفو عند المقدرة، واستنفاد الخيارات المتاحة قبل اتخاذ قرار الحرب، وهذا الأمر يكشف تدليس أهل التطرف وجماعات العنف في عصرنا في إشاعتهم مقولة "الجهاد معطل"؛ لأن قرار الحرب والجهاد في واقع المسلمين عبر عصورهم المتعاقبة منظَّمٌ لا يتخلله أدنى تعطيلٍ أو تقصير؛ لأنه أمرٌ يحتاج إلى موازناتٍ خاصةٍ ودراساتٍ حربيةٍ وسياسيةٍ دقيقةٍ يتم فيها مراعاة استنفاد الخيار السِّلمي الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «أيُّها الناسُ، لا تَتَمَنَّوْا لقاء العَدُو، وسَلُوا اللهَ العافيةَ، فإذا لَقِيتُمُوهُم فاصبِرُوا، واعلَمُوا أنَّ الجنةَ تحتَ ظِلَالِ السُّيُوف».

كما تتجلى في طيات هاتين الواقعتين أن المسلمين قد صَمَدَتْ وِحْدَتُهُم مع غيرهم الْمُسَالِمِين لَهُم، وذلك يجعلنا نستدعي هذا الواقع المشرِّف في معركة البلاد الإسلاميَّة والعربية المعاصرة في سبيل البناء والاستقرار ومحاربة الإرهاب وموجات الهدم والتدمير الفكرية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، مما يؤكد على ضرورة التحلي بالصبر في جميع الأمور، وهو من ثمرات عبادة الصوم، فضلًا عن وجوب مساندة أفراد الأمة ومجموعِها لقادتهم، مع دعم المؤسسات والجهات المشرفة على تقدير مصلحة الوطن واستقراره وأمنِهِ القومي، وقد جعل اللهُ تعالى أهلَ مصر الكرام هكذا؛ فصدق فيهم ما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

****************

جريدة الأهرام عدد الجمعة بتاريخ 16 رمضان 1439هـ الموافق 1 يونيو 2018م السنة 142 العدد 48024

الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/654031.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام