الرئيسية السيرة الذاتية أخبار فتاوى مقالات كتب أبحاث مؤتمرات صور صوتيات ومرئيات

العلامة الشيخ معوض إبراهيم

تاريخ الإضافة : 02/07/2018
العلامة الشيخ معوض إبراهيم

من أعظم صور الفقد على النفوس وأشدها على الأمة والمدارس العلمية شيوخًا وطلابًا: موت المصلحين والعلماء الربانيين، وذلك لِما لهؤلاء من مكانة تتمثل في كونهم ورثة الأنبياء، فكان بقاؤهم امتدادًا لهذا الميراث، وحفظًا للأمة من الانحراف واتِّباع غير طريق الهدى، وكان ابن عباس رضى الله عنهما يقول: "لا يزال عالِمٌ يموت وأثَرٌ للحق يَدْرُسُ، حتى يكثُر أهل الجهل ويذهب أهل العلم؛ فيعملون بالجهل، ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل".

وفي الأسبوع الماضي فقدت الأمة عامةً والأزهر الشريف خاصةً قامةً ربانيةً وثقافيةً فريدةً، وعَلَمًا أزهريًّا عظيمًا، ذلكم فضيلة العلامة الأديب المعمر الشيخ/ معوض عِوض إبراهيم، الذى لم تعرفه الجماعة العلمية على مدار حياته التي تجاوزت المائة بستة أعوام (1912م - 2018م) إلا راغبًا في الجد والاجتهاد مع علو الأدب ورقي اللغة وسعة النظر وعمق الفكر وشمول الاطلاع، فضلًا عن كونه جامعًا لمعالم الشخصية الأزهرية ودالًّا عليها.

وهنا نؤكد على عامل أصيل من عوامل النهضة والإصلاح المرجوة لمجتمعاتنا المعاصرة، ويتجلى من أقرب طريق في إحياء الشخصية الأزهرية إلى عهدها الزاهر وسيرتها الأولى.

ولقد كان شيخنا متصل الأسانيد في سائر العلوم كشأن علماء عصره، لكنه كان محلًّا ووجهةً رئيسيةً لطلاب العلم بمختلف طبقاتهم؛ لعلو إسناده ودقة روايته، حيث إنه يروى كتب العلم والحديث عاليًا عبر السند الصحيح من سلسلة العلماء المصريين، وأولهم شيخه العلامة أبو الحسن علي بن سرور الأزهري الزنكلوني المتوفى عام 1359هـ.

كما كان شيخنا جديرًا بثقة الجماعة العلمية -مؤسسات وأفرادًا- حيث التف منذ شبابه حول أهل العلم والشيوخ الأكابر؛ كالمراغي والخضر حسين ومحمود شلتوت وعبد الحليم محمود ومحمد أبو زهرة، مع تدرجه في المناصب العلمية والإدارية حتى وصل إلى أعلاها رتبة وأقومها درجة.

إن شيخنا الجليل قضى قرابة قرن من الزمان ينشر الوعي الصحيح في أجيال الأمة، مرشدًا لها إلى طرق البناء والإصلاح كشأن علماء الأزهر الذين هم دائمًا مع المصلحة العليا للأمة، وكان ذلك من خلال خطبه ودروسه، ومحاضراته الأكاديمية في قاعات الدرس والندوات، وأشعاره ونثرياته الأدبية، فألف كتبًا خاصةً وأبحاثًا مستقلةً تختص بدراسة ما تمس إليه الحاجة بأسلوب رصين ونهج فريد، فعلى مستوى البيان وتبصير الناس بأمور دينهم وأحكامه تأتي مجموعة من المؤلفات؛ ككتاب "قبس من الإسلام"، و"عناصر الإسلام وطرق هديه"، و"إنسانية العبادات في الإسلام"، و"ملامح من هذا الدين"، و"ذلك الدين القيم"، و"مشاهد الوجود وشواهد التوحيد"، وغيرها.

وعلى المستوى الوطني، فقد شارك ضمن جهود الشئون المعنوية بالقوات المسلحة المصرية في مدة ما قبل حرب أكتوبر 1973م، كما دوَّن شهادته بخصوص قضية فلسطين التي تعود بجذورها إلى وعد بلفور سنة 1917م، أي بعد ميلاد شيخنا بخمس سنوات تقريبًا، في كتابه الماتع "فلسطين وكيف نستردها عربية أبيّة".

أما على المستوى الاجتماعي، فقد انطلق رحمه الله من الأسرة والمجتمع اللذين يمثلان أساس الوطن وعامل استقراره الأصيل، حيث اهتم رحمه الله ببيان الضوابط والأحكام والمقاصد التي تحيط بهما؛ فألف: "الإسلام والأسرة السعيدة"، و"ركائز المجتمع المسلم في سورة الحجرات"، و"الأولاد ودائع الله عندنا".

ولا ريب أن هذه المؤلفات التي تركها شيخنا الراحل إذا انضمت بعضها إلى بعض سدت ثغرة كبيرة في مسيرة نشر الوعي الصحيح في الأمة بما يحقق استقرارها، وهذه حقائق متواترة تكشف عن سمات الشخصية الأزهرية العريقة، وتضفي على وجود علماء ربانيين مثل شيخنا الجليل بُعدًا رمزيًّا قويًّا ووزنًا عالميًّا كبيرًا؛ لأنهم يمثلون للأمة مصابيح هدايتها التي تنير الطريق الموصل إلى رضوان الله تعالى في الدنيا والآخرة. رحم الله شيخنا وتقبله في زمرة العلماء العاملين، وعوّضنا عنه خيرًا.

جريدة الأهرام عدد الجمعة 15 شوال 1439هـ الموافق 29 يونيو 2018م السنة 142 العدد 48052

الرابط: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/658282.aspx

جميع الحقوق محفوظة - موقع الدكتور شوقي علام